
حتى لا يكون تناولها لهذه الوجبة الخفيفة "مثل القرد". بهذه الجملة يُختتم خبر نُشر مؤخرا على موقع RT الإلكتروني بعنوان.. "ما الذي يجعل الملكة تتناول الموز بالشوكة والسكين؟".
قد يكون ما جاء في هذا الخبر مُرشد لشريحة معينة من الناس، من هواة التقليد الأعمى، فيقررون التسلح بسكين.. وشوكة طبعا قبل تناولهم موزة.. كما فعل الفنان الراحل، أحمد حمدي، في أحد مسلسلاته، حيث أدى دور مغترب عائد إلى بلده، فالتقط لب الموزة التي قدمتها له والدته بالشوكة.. في لقطة، أراد المخرج من خلالها تجسيد معنى الانسلاخ عن الجذور، والتطبع بطباع الغريب.
لذا على من يعيش وفق نظرية التطبع يغلب الطبع العودة إلى الخبر ودراسته جيدا.. ومن ثم اختبار بعضهم البعض في امتحانات تطبيقية.
خبر كهذا يبدو أن الشيء المفيد الوحيد فيه هو أنه يحفز الذاكرة، لتمثل أمام عينيّ القارئ، كاتب هذه السطور في هذه الحالة، أمثلة من الحياة العملية، تعكس سلوكيات كهذه، نابعة إما من تزمّت أو رغبة بالتميّز لمجرد التميّز.. قد تُدرج هذه السلوكيات، في ما بعد، في فن الإيتيكيت أو من قواعد السلوك، التي يجب الالتزام بها.
في هذا الشأن يُذكر أن أحد الأثرياء البريطانيين رفض تركيب هاتف في قصره، لا لشيء سوى أن صوت الجرس، الذي سيجبره على رفع السماعة، سيجعله شبيها بخادمه الذي يأتيه بالجرس. ولكن الأمر لا يقتصر على مواقف قد تبدو طريفة، إذ أنها سلاح ذو حدين. ومن حالات الالتزام بالقوانين الغريبة، تشير مصادر إلى حريق اندلع في البرلمان البريطاني، إلا أن النواب رفضوا دخول رجال الإطفاء لمبنى البرلمان، لأنهم، وبكل بساطة، ليسوا أعضاء فيه.
وتشير مصادر إلى أن أحد طلاب جامعة أوكسفورد توجه لأحد الأساتذة أثناء تقديم الامتحان، طالبا منه أن يأتيه بقدح من الجعة، وعندما تحقق الأستاذ من أن أذنه لم تخطئ، أمر الطالب "الوقح" بمغادرة قاعة الامتحان، ليرد الأخير بإخراج ميثاق الجامعة، وليردد على مسمعه قانونا اعتمد في عام 1513، لم يكن قد أُلغي حين حدوث هذه الواقعة على الأقل، يحق لأي طالب بموجبه طلب الجعة من الأستاذ.
وبعد جلسة استشارية سريعة مع زملائه، استجاب الأستاذ للطلب ولبّى رغبة الطالب، لكنه شكّل لجنة بعد أيام للبت في الأمر، خلُصت إلى قرار يقضي بفصل الطالب من أكسفورد، لأنه جاء إلى قاعة الامتحان هو الآخر دون سيف.. كما كان يقتضي أحد البنود في ميثاق الجامعة المعتمد في عام 1415.
الجدير بالتذكير هنا بوقائع عنصرية تحدث في المباريات الرياضية، لا سيما في كرة القدم، وذلك حين يلقي أحد المشجعين بموزة، أو بقشرة موز على أرضية الملعب، في حال كان بين المشاركين في المباراة لاعب من ذوي البشرة السوداء. ولكن، وبعد الكشف عن الإتيكيت الملكي الآن، هل سيوجه أي اتهام لعنصري يرمى موزة مرفقا إياها بشوكة وسكين؟
وما حاجة الملكة إلى التعامل مع الموزة من منطلق التشبّه أو عدم التشبّه بالقرود أصلاً؟!!! وهل هذا يعني أنها ترى فينا، نحن معشر البسطاء، حينما نلتهم الموز بالطريقة، التي ربما سيُطلق عليها مسمى التقليدية، هل ترى فينا أشباه القرود والسعادين؟ ألهذا الحد بلغت ذروة الاستعلاء؟
الإيتيكيت.. يا لها من كلمة لا تعني سوى قوانين يجبر الناس أنفسهم على التقيّد بها.. لا لشيء سوى لرغبة منهم في الاحساس بالتفوق، أو بالأحرى الفوقية، علينا. ولكن هناك نور يبدد ظلمة هذه الأرستقراطية الزائفة، ربما أفضل ما عكسه لقطة من فيلم Pretty Woman (امرأة جميلة)، حينما جلست فيفيان وارد، التائهة بين قواعد تناول الطعام حسب الأصول، جلست خلف مائدة بجوار أثرياء، وكانت في حيرة من أمرها، أخرجها منها أحد هؤلاء بأن استخدم يده ليأكل، وهو يقول إنه شخصيا لا يعرف الطريقة "الصحيحة" لتناول الأطباق. هل أراد هذا الثري الطيّب أن يخفف من حدة الموقف على الفتاة، التي لا تعرف بأي شوكة يؤكل أي طبق، أو أنه هو الآخر لا يعرف ذلك بالفعل، فاستخدم يده، وأزال التوتر الذي استشعرته المسكينة فيفيان؟
أين المقلدين المنجرفين في التيار من هذا الرجل.. الذي يعيد إلى الأذهان مقولة من فيلم "اعطوني دفتر الشكاوى" السوفيتي.. "لست أنا ضد التيار وإنما التيار ضدي".
هل تتذكرون مسرحية "سيدتي الجميلة" وبطلتها شويكار، إلى جانب العملاق الراحل فؤاد المهندس؟ ربما يتذكر من شاهد هذه المسرحية الرائعة المشهد الذي تحولت فيه صدفة حسب الله بعضشي، إلى أيقونة موضة، يقلّدها من حولها، من علية القوم، في كل شاردة وواردة من سخافات تقوم بها وهي تعلم أنها سخافات. وحتى حينما تتعجب لذلك وتسأل: "مالهم دول؟".. يجيب معلمها، كمال الطاروطي: "بيقلدوكي.. ما بقيتي موضه يا بنت بعضشي".. لترد هي بدورها: "كده؟! طب سيبني العب بيهم شويّه".
ثمة مقولة روسية منتشرة تقول: "تؤخذ الأسماك والدجاج والنساء بالأيدي".. ما يعني أنه، وبعد هذا الخبر الملكي، قد يكون من الملائم إضافة الموز إلى هذه القائمة. إذا كانت الملكة تخشى الظهور بما يوحي أنها تقلد القرود، تُرى كيف يمكن وصف محتوى الفيديو أعلاه.. حيث يظهر قرد لطيف، يبدو وكأنه يقلد جلالتها؟
هل أعرب عن أملي بألا تقرأ الملكة إليزابيث الثانية هذه المادة كي لا يقع نظرها على هذا الفيديو.. أم ترى أتمنى ذلك؟
0 التعليقات لــ "حينما يتفوق التطبع على الطبع.. الملكة إليزابيث مثالا"