PREGNANCY BIRTH

مصر

د.علي مخلوف يكتب: لماذا يفوز أردوغان…؟

hesham mohamed 0 تعليق 4/28/2017 06:54:00 م

د.علي مخلوف يكتب: لماذا يفوز أردوغان…؟


بعيدا عن العواطف وبعيدا عن الرغبات والأمنيات ، فالسياسي الذي يريد أن يبني المواقف الصحيحة ويكون قويا يجب أن يدرس خصومه جيدا ويدرس نقاط قوتهم ونقاط ضعفهم بكل موضوعية وبكل شفافية.
إن أردوغان هذا الذي طالما وصفته مرارا وتكرارا بأنه الثعلب الماكر ، الذي طالما أوغل يديه عميقا في دمائنا نحن السوريين ، فكانت المجازر التي أدارها ، وكان الإرهابيون ، وكان السلاح ، وكان الإجرام والمجرمين ، وكله كان يمر من تحت يديه وبإشرافه المباشر.
أردوغان هذا الذي أشرف على تشكيل  داعش وأشرف على دخول تنظيم القاعدة إلى سوريا ، وأشرف من خلالهما على سرقة النفط السوري وسرقة الآثار والمتاحف ، وسرقة المدن الصناعية والكثير .. الكثير.
هذا هو أردوغان الذي نراه نحن السوريين بكل قبحه وبكل فجوره وبكل إجرامه ، سليل السلطنة العثمانية ، وأحد رموز الإخوان المسلمين في تركيا ، الذي لبس جلباب الإسلام وحرك به غرائز مئات الآلاف من أتباعه في البلدان العربية.
لكن أردوغان هذا هو أمام شعبه التركي شيء آخر تماما ، فالمواطن التركي لا يهمه كثيرا ماذا يفعل أردوغان هذا في سوريا أو في مصر أو في ليبيا ، المواطن التركي يهمه معيشته  ورفاهيته التي تتطور بشكل  يومي ، ويهمه تأمينه الصحي ومستقبل أبنائه وتعليمهم  ، ويهمه الفضاء السياسي الذي يعيشه من حرية الرأي وممارسة الحريات السياسية ، فعين الأتراك على الدول المتطورة والتي تريد اللحاق بها.
إن الإستفتاء الذي جرى في تركيا بتاريخ 16 نيسان 2017 هو إستفتاء يخص الشعب التركي ولذلك لا اريد الخوض بتفاصيله لأنها خاصة بالأتراك.
نحن في سوريا ، لا يقدم هذا الموضوع أو يؤخر شيئا بالنسبة لعلاقتنا بتركيا ، لكن ما يهمنا هو: أن تركيا هذه هي الجبهة الأمامية لحلف الناتو والتي فيها ثاني أقوى جيوش الناتو وبهذا المعنى فهي تؤدي دورا وظيفيا هاما للغرب عموما وللولايات المتحدة الأمريكية خصوصا ، في منطقة الشرق الأوسط وبالتالي لن يكون هناك فارق بالنسبة لنا إن كان نظام الحكم في تركيا هو برلماني أو رئاسي أو سلطاني عثماني ، ما يهمنا هو الدور التخريبي الذي تقوم به تركيا خدمة للمشروع الغربي “الصهيو – امريكي” ، وهذا الدور ستقوم به بغض النظر عن نظام الحكم فيها ، وهو نفس الدور الذي قامت به قبل أردوغان وسيكون بعد أردوغان.
لكن يجب أن نعرف أن هذا الإستفتاء الذي يهدف إلى تغيير نظام الحكم في تركيا من نظام برلماني إلى نظام رئاسي لم يكن لأي شخص أن يتخيل أن يقدم عليه سياسي تركي بعد أكثر من تسعين عاما من نظام حكم أرسى أسسه كمال أتاتورك الذي تحول مع الزمن إلى إحدى الأيقونات التركية التي لا يجرؤ أحد على المساس بها ، فكيف يلجأ شخص إلى مثل هذا الإستفتاء وينجح به أيضا…؟
وبالرغم من كل ذلك ، وبالرغم من كل ما جرى مع أردوغان في السنة الأخيرة في تركيا من محاولة الإنقلاب الفاشلة (التي حولها ألف إشارة إستفهام) يضاف إليه الإعتقالات التي قام بها وبطريقة لا يتخيلها شخص في بلد يدعي الديموقراطية  ، حيث كانت الإعتقالات بالآلاف والفصل من العمل فقط على الشبهة ، والكثير الكثير ، لكنه وبرغم ذلك فقد فاز أردوغان.
ترى أين يكمن السر في ذلك…؟
بكل بساطة ، السر يكمن وبشكل أساسي ومحوري هو في التنمية الإقتصادية التي إرتبطت بإسم أردوغان وبإسم حزبه الإخواني (حزب العدالة والتنمية) منذ توليه السلطة عام 2003…
نعم إن التنمية الإقتصادية التي حصلت في تركيا كانت بحق ملفتة للإنتباه ليس على الصعيد التركي الداخلي فقط بل على الصعيد العالمي أيضا ، فتركيا التي كانت في المركز 111 في الترتيب الإقتصادي العالمي قبل أردوغان أصبحت اليوم في المركز 17 عالميا ، أي أصبحت تركيا من الدول العشرين الأولى عالميا (G-20) مجموعة العشرين ، يكفي أن نقول وللمقارنة فقط فإن الناتج المحلي لتركيا عام 2013كان يتجاوز مجموع الناتج المحلي لأقوى إقتصاديات ثلاث دول في الشرق الأوسط إيران والسعودية والإمارات فضلاً عن الأردن وسوريا ولبنان…
** الصادرات التركية في عام 2002 كانت 32 مليار دولار لتصل عام 2012 إلى 135 مليار تقريبا….
** معدل الدخل السنوي للفرد كان 3,500 دولار ليصل إلى 10,500 دولار سنويا في عام 2013 ، أي ثلاثة اضعاف…
فقط دعونا نأخذ هذه المعلومة التي تقول أن مطار إسطنبول أضخم مطار في أوروبا يستقبل يوميا حوالي1,260 طائرة ، فقط تخيلوا الحركة التجارية والسياحية وحركة رجال الأعمال …
الأهم من كل ذلك للإشارة للتنمية التي حصلت في تركيا فإن أضخم موازنة في تركيا هي اليوم للتعليم والثانية للصحة ثم ثالثا الجيش ، وأن برنامج التأمين الصحي في تركيا أصبح من البرامج المميزة عالميا…
فتركيا لم تقترض لتأكل كما قال أحد الإقتصاديين كما هو الحال في كثير من الدول ، ولكنها إقترضت لتنتج  ، وطالما أن عجلة الإنتاج مستمرة في الدوران فلا مشكلة في الديون…
وهناك الكثير الكثير من المعلومات والحقائق التي لا أريد الخوض كثيرا في تفاصيلها يمكن ببساطة الوصول إليها لمن أحب أن يستفيض ، وخاصة فيما يتعلق بالبحث العلمي والمعلوماتية والصناعات الإلكترونية وزيادة الرواتب والأجور بعشرات الأضعاف ، والكهرباء لكل البلاد والمواصلات والإتصالات وحتى تدوير النفايات وإنتاج الطاقة منها ، طبعا ويضاف إلى ذلك الدولة القوية والقادرة…
ربما يأتي ليقول لنا قائل: أن هذا الإقتصاد غير حقيقي وأنه بني على بيع القطاع العام  ، وأنه ستظهر نتائجه الكارثية مستقبلا…
وأنا أقول له بغض النظر عن دقة هذا الكلام الذي أصلا لم يظهر أي شيء من ملامحه منذ 15 عام حتى الان ، لكن أنا هنا أقرأ رأي الشعب التركي وأقرأ ميوله التي يعيشها اليوم  ، والتي جعلته يميل هكذا نحو أردوغان…
أثناء التغطية الإعلامية للإنتخابات التي جرت حول هذا الإستفتاء كانت عدة محطات تتابع الناس في الشوارع وكان الملفت أن النساء بمعظمهن سافرات ويردن التصويت لأردوغان ، لأنه ببساطة حقق البحبوحة الإقتصادية وحقق الأمان والإستقرار ، وهذا ما يريده المواطن في أي مكان…
ما يهمنا الان هو ما يلي :
إن قوة أردوغان وقوة حزبه لم تكن يوما من الأيام نابعة من الشعارات الرنانة والطنانة حول العدالة وحول التنمية ، بل قوته بما خلق على الأرض وبين الناس من تنمية إقتصادية حقيقية جعلت الناس خلال فترة وجيزة ينتقلون نقلة نوعية هائلة جعلت حتى أعداءه في الداخل يميلون له.
النقطة الثانية والهامة في قوة أردوغان كانت الجو السياسي السائد في تركيا من معارضة وطنية تركية حقيقية.
النقطة الثالثة والهامة ، يجب أن نعترف أن أردوغان قد إستثمر هذه التنمية الإقتصادية والنمو الإقتصادي الكبير ، إستطاع أن يستثمره بشكل كبير جدا في خدمة مشروعه السياسي الإخواني الذي ينتهي فيه إلى سلطان عثماني جديد…
إذن: أنت تستطيع تحميل مشروعك السياسي على ظهر التنمية الإقتصادية ، لكنك بالمطلق لن تستطيع تحميل تلك التنمية على ظهر مشروعك السياسي.
أتمنى أن يكون هذا الذي نراه في تركيا درسا لنا في المستقبل حتى لو كان من أحد أعدائنا…
حتى ننهض ببلدنا معتمدين على التنمية الإقتصادية التي طالما تحدثت عنها مطولا ، وطالما إعتبرت أن الإقتصاد هو الأساس وهو الثابت ، وأن السياسة هي التابع وهي المتحول.

0 التعليقات لــ "د.علي مخلوف يكتب: لماذا يفوز أردوغان…؟"